السبت، 23 يوليو 2011

وعاد ابي

أحيانآ ...
قد يرغم المرء على تحمل المسئولية مبكرآ ,,

فتهب روح الشجاعة في البداية
ومع مرور الأيام تكبر تلك المسئوليه وتقبل معها بمزيد
من المتاعب فتقل روح المغامره ويضطر للهرب منها

بعيدآ وبأية وسيله ...!!
~~
ينتابني الشعور بين الحين وا للآخر بالخوف عند ذكر
كلمة مسئوليه ..
يصعب علي أحيانا لفظها ...
لاأعرف كيف ولكن أشعر أنها كلمة عظيمه
لايقدر البعض معناها ...
~~~~~
أحب أن أجلس دائما تحت شجرة الصنوبر هذه ..
المقيمة في ساحة منزلنا
إن لها قصة ...
حدث أنها جاءت إلى منزلنا
عندما كنت مابين الخامسة
والسادسه مع أبي كان
قد إشتراها غرسة صغيره من أحد
الباعة في الشارع كم فرحت بها كثيرآ ...
أعتقد أنه إشتراها لعيد مولدي السادس
والذي لم يتبقى
عليه سوى إسبوعان فقط ،،،
أخذتها بين جناحي الصغيرين
وخرجت بها أركض نحو الحديقه
فتعثرت...
وأصبت بإلتواء فضيع في قدمي ...
أتذكر ذلك الألم جيدآ
وأتذكر كيف أن أمي وبختني ووبخت أبي كذلك ...
~~~~~
أخذ أبي الغرسة وزرعها في مكان بحيث أستطيع رؤيتها
من نافذتي الصغيره ...
~~~~~
كانت هذه بداية التغيير الكبير الذي حدث في حياتنا
ستستغربون كيف كنت أتذكر كل شيء
حتى أدق التفاصيل ...
ذات فجر وكالعاده كنت مستيقضه
 أستمتع برائحة الندى والعشب المبلل
وفجأة لمحت خيالآ متجهآ نحوي
 _ _ _
فإرتعبت قليلآ ...
فتوقف وقال : لا تخافي حبيبتي هذا أنا ...
إقترب مني وأخذ يمسك براحتي وقبض عليهما بقوة
ثم إقترب أكثر وهمس بأذني قائلآ : سامحيني حبيبتي ...
فأنا راحــل ....!!
ثم خرج مسرعآ من الغرفه ولم أفهم لماذا قال لي ذلك ...!
فتحت يداي وإذا بها مبلغ من المال !
لم أستطع النوم ساعتها البته وكأنه كابوس
إنتظرت شروق الشمس بفارغ الصبر
لأرى ماسيحدث بعدها ...
إستيقضت أمي وإستيقض إخوتي واحدآ تلو اللآخر ..
ثم دخلت أمي غرفتي ورأتني : حبيبتي ..!!
مابالك مستيقضه ليس من عادتك النهوض باكرآ ؟
(وكانها لا تعرف اني اظل كل ليله على هذا الحال)
...فجلست أتمتم بعبارات لعلها تساعدني في فهم ماحصل لي
...أمي ..! رحـــــــــل ...
...أمي قال لي إنه راحل ..؟
تعود أمي وتحتضنني وتقول :
 ما الأمر ياحبيبتي من الذي رحل .؟
فقلت لها : أبــي ...
ضحكت أمي وقالت : ولماذا يرحل ...!
أباك مازال في غرفته نائمآ
لابد أنك مرهقة من ألم ساقك
 هيا عودي للنوم وسيخف ذلك الألم ..
لا، لا أمي .. صدقيني قال لي إنه راحل ..
دهشت أمي وذهبت مسرعه لغرفة أبي الذي إعتاد على أن ينام فيها
عندما يتشاجران كعادتهما ...
:
غريب أين ذهب هذا الرجل في هذا الصباح الباكر
لعله ذهب للعمل مبكرا هذا اليوم
آمل ان يكون في خروجه خير
وعادت أمي لإكمال عملها اليومي
وتجهيز إفطار إخوتي المدرسي ...
....
وأنا مازلت مستيقظه أنتظر ماسيحصل بعدها
أخذت أتلمس المبلغ الذي بيدي
فصرخت فجأه وقلت أمـــي !!
لقد نسيت أن أبلغك
أبي أعطاني هذا المبلغ وقال لي أن أعطيك ..!!! .
~~
فتعجبت أمي وقالت : حسنــآ .!! هذا أمر غريب ..
فأجبت في نفس الوقت كي لا أشعرها بالقلق :
لابد أنه سيتأخر هذا اليوم بالعمل
لهذا السبب أعطانا المال لنتدبر أمورنا هذا اليوم ..! .
توالت الساعات ..
ساعة تلو ساعة ...
ومضى اليوم ثقيلآ ونحن مازلنا بالإنتظار ....
دخل المســـاء فاستغربت أمي : أين هو الآن لماذا
تأخر ؟.
لم ينشغل بال أمي إلا عند حلول المساء
لأن غيابه حتى هذا الوقت
أمر يثير الريبه ...!!!!
بالرغم من الشجار الذي بينهم إلا أنها قلقت عليه !
~~~~~
 مضت اليله
وعادت الشمس من جديد
ولم يرجع أبي !!
المال الذي تركه لنا لايكفي وقد إنقضى في مصروف الأمس ..
ياإلاهـي واليوم كيف سنتدبر أمره ياتُرى !!!!
تساؤلات عده دارت في رأسي ...
لماذا يا أبي تركتنا وماذا حصل لك ...
هل أنت على قيد الحياة أم .... لا ......!!!!
ساورني الشك في أن مكروهآ قد أصابه ...
مرت الليالي ونفس الأسئله تدور وتلك العشرون سنة الماضيه
لم تكن كفيلة بنسياني له
ولا لتلك اليد الدافئه حينما إحتضنت يداي
وقتها وخبأت فيها عرق جبينه ...
لاأزال يتراوح لي طيفه في كل مكان
وأتذكر شجاراته مع أمي
...آه لقد كنتي قاسية عليه كثيرآ...
أتذكر ذلك اليوم الذي كان أكبر همي أن ينتهي
هذا الشجار وتمر الليلة بسلام ..
أمـا الاآن ...
فقد إختلف ذلك كليآ
عرفت أن تلك الليالي التي مرت حقا سعيده ...
إختفى ذلك الصراخ ...
وتلك السخرية ...
ونظراته الحنونه ...
كل مابقي في المنزل هو ظلام
حتى ذلك الكرسي الذي يجلس عليه
  ويقرأ الجريده أصبح مظلمـآ الآن ...
لم أكن أعرف أن الحياة كانت تخبئ لنا في جوانحها دوامة سوداء ...
لأن تلك الحادثه قد أحدثت فرقآ كبيرآ في حياتنا
 وغيرت الكثير
لكنها كانت نقطه إيجابيه
 إستطعنا بعدها تكوين فكرة عن المسئوليه ...
~~~~~
إستجمعنا
شجاعتنا
 وبأسنا
 وتمكنا من خلق روح أخرى لأبي
عبر الأمــل ...!!!
كان أبي مختلفآ عن كل الآباء ..
حسنآ !
لا أعرف لي أبا آخر غيره
ولكني أعتبره الأفضل
على الإطلاق ...
كان متفائلآ جدآ بالرغم من حالتنا المادية الصعبه
كان يحثنا على الجد والمثابره
لاسيما عندما نتذمر من الفروض المدرسيه ..
كان عمليآ بشكل رائع ...
وكان ذالك القدوة
 والمربي
والرجل العظيم
 الذي يمكن تخيله في كل موقف صعب ....
...إنه أبــــــــــــــــــي ...
~~~~~
مســـــــــــاء الخمـــيس ...
قاربت الساعه الحادية عشره وإنتهى وقت عملي ..
قبضت أجرتي اليوميه في عملي بصالوون تجميل ...
وأقفلت الباب خلفي بكل جرأه لم يكن علي أن أخجل
من عملي في الصالون المهم أنه عمل شريف
وأني إستطعت بذلك جرف عائلتي
عن هاوية العوز ...!!!!
~~~~~
الشارع كان خاوِ ِ ِ والبرد قارس
 شددت معطفي بقوة وتابعت سيري
كان علي أن أصل بسرعه
ولم أبالي للرجل الحافي والمتمدد على ذلك الكرسي
كان يغني رغم ذلك الجو المرعب بصوت ِ جميل
وتلك الكلمات المضحكه ...
هههههههه
لقد عرفتها إنها أغنية الصرصارعلى الصنوبر
كنت أحب سماعها في صغري كثيرآ كما
أن صـــــوتـــه يذكـــــرنـــي بـــــ ....!!!!!
فتحت عيناي وتوقفت لأستمع
إنه ...!!! ...
إلتفت للخلف كان الرجل يقف على قدميه يداه في جيبه
ويتابع غناه بإبتسامه عريــضه ...!

~~~~~
تحققت من تلك الملامح جيدآ ...
نعــم لم تكذب عيناي
إنه أبــــــي ....!!!
ركضت نحوه وركض نحوي ثم سقط على الأرض ...
جثوت عليه وقلت بخوف : أبي مالأمر ؟ أأنت مريض ؟
قال بعينين مرهقتين : لا ياإبنتي ركضت من شدة شوقي لعناقك
فتعثرت قدماي الباليتين ...
آوه,,,,
يحق لها ذلك فقد مضى على وجودها على هذه الأرض

65 عامــآ .....
...جلست أبكي على صدره
لا أدري أهي دموع فرح أم عتاب ...
أخذ بيدي ومسح على خدي بيده الدافئه
وهو يبتسم قائلآ:
 هلاّ تكفي عن البكــاء الآن ؟!
إستجمعت أنفاسي وقلت _:
أبــي إشتقت إليك ...
لمـاذا تركتنا ورحلت يا أبــي
أجبنــــي ...!!!
كان الحزن باديآ على وجهه :
 ســامحيني ياإبنتي سامحيني ...
ولأول مره رأيتـــها ...
رأيت تلك الدموع في عينيه فقلت له :
 أبـي هل تبكي ؟!
تنهد وقال : أشعر بالخجل من نفسي .........

~~~~~
عادت حياتنا إلى طبيعتها وتأقلمنا مع أبـي (الجديـد) ....
حاولنا عدم طرح الأسئلة عليه كثيرآ
لم نرد أن نشعره بفداحة خطأه وتخليه عنا ذلك اليوم ...
نفس اليوم الـــــــــذي حضر فيه إلينا بعض من الرجال

أصحاب الحقوق يريدون أموالهم التي إستدانها أبي
كانت صدمة مروعه عندما علمنا أنه كان قد
إستدان من أحدِ ما ...!!!
مع أننا لم نحتج يومآ إلى أموال
...
كل مايجنيه أبي من عمله في الميناء
 كان يكفينا كقوت يوم كامــل ...!!
لم نستطع تفاديهم سوى
ببيــع منزلنا الجميل فووق الجبل

وكل ذكرياتنا التي فيه

وشجرة الصنوبر وجلساتنا تحتها
وسكنا في منزل جدتي القديم ...
... حسنــــآ ..!!
المهم أنه قد عاد
ولا أعتقد أنه سيضطر للهرب ثانيةً ...

لأنني إستطعتُ الآن تحمل المسئولية عنه
وآمل أن أكون أهلآ لها .....


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق